الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

117

نفحات الولاية

طريق انتقال صورتها الذهنية لديه ، كما هو الحال عند الإنسان ، بل علمه علم حضوري ، أي أنّه حاضر في كل مكان ، والموجودات برمتها حاضرة عنده ، وهو محيط بها جميعاً ، دون الحاجة لصورها ؛ بالضبط كحضور الصور الذهنية للإنسان أمام روحه ، لأنّ الصور الذهنية حاضرة بذاتها في روح الإنسان لاصورتها ، وإحاطة الإنسان بها نوع من الإحاطة الحضورية . فتأكيد الإمام عليه السلام في هذه الخطبة على علم اللَّه سبحانه بجميع جزئيات الوجود إنّما يبطل هذا الاعتقاد الفاسد لبعض الفلاسفة بشأن نفي علم اللَّه بالجزئيات . 3 - ابن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة . حين بلغ هذا العالم المشهور - شارح نهج البلاغة - هذا الموضوع من الخطبة بشأن علم اللَّه قال : لوسمع النضر بن كنانة هذا الكلام لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جريح لإسماعيل بن بلبل : جريح لإسماعيل بن بلبل * قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم وكم أب قد علا يا بن ذرا شرف * كما علا برسول اللَّه عدنان إذ كان يفخر به على عدنان وقحطان ، بل كان يقر به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن ، ويقول له : أنّه لم يعف ما شيدت من معالم التوحيد ، بل أخرج اللَّه تعالى لك من ظهري ولدا ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب ما لم تبتدعه أنت في جاهلية النبط . بل لو سمع هذا الكلام أرسطو طاليس ، القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات ، لخشع قلبه ووقف شعره ، واضطرب فكره ، ألا ترى ما عليه من الرواء والمهابة ، والعظمة والفخامة ، والمتانة والجزالة ! مع ما قد أشرب من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة ، لا أرى كلاماً يشبه هذا إلّاأن يكون كلام الخالق سبحانه ، فانّ هذا الكلام نبعه من تلك الشجرة ، وجدول من ذلك البحر ، وجذوة من تلك النار ؛ وشرح لآيات الخالق سبحانه « 1 » .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 23 بتصرف طفيف .